الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

412

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فضلا عن القول بوجوب الحكم بذلك والقطع به كيف ويحتمل عند العقل حينئذ حصول جهة الحظر في الإفتاء بمقتضاه ولحوق الضرر عليه من جهته ومعه لا يحكم العقل بجواز الإقدام عليه بمجرد الرجحان المفروض فظهر بذلك أن ما ذكر من كون الحكم بالراجح راجحا على نحو رجحان المحكوم به غير ظاهر بل فاسد فلا مرجوحية إذن لترك ولا لحكم إذ كل من الفعل والترك فيما يصح فيه الأمران نظرا إلى عدم قيام دليل قاطع للقدر عليه وكأنه إلى ذلك أشار في الأحكام مشيرا إلى رفع الحجية المذكورة قائلا بأنه لا مانع من القول بأنه لا يجب العمل بل هو جائز الترك على أنه لو تم الاحتجاج المذكور لقضي بحجية الظن مطلقا من غير أن يكون أن يصح إخراج شيء من الظنون عنها لعدم جواز الاستثناء من القواعد العقلية إذ بعد كون الأخذ بالمظنون راجحا وعدمه مرجوحا وكون ترجيح المرجوح قبيحا لا وجه للقول بعدم جواز الأخذ به بعض الظنون لصدق المقدمات المذكورة بالنسبة إليه قطعا فلا وجه لتخلف النتيجة مع أن من الظنون ما لا يجوز الأخذ به إجماعا بل ضرورة إلا أن يقال إن قضية رجحان الشيء أن يكون الحكم به راجحا إلا أن يقال يقوم دليل على خلافه وهو مع عدم كونه بينا ولا مبينا غير ما بني عليه الاحتجاج المذكور إذ قد يقال إنه بعد قيام الدليل على حجية ذلك الظن لا يبقى هناك رجحان في نظر العقل وهو أيضا بيّن الفساد لوضوح عدم المنافاة بين الظن بحصول الشيء والعلم بعدم جواز الحكم بمقتضاه وقد يقرر الاحتجاج المذكور بنحو آخر بأن يقال إن الفتوى والعمل بالموهوم مرجوح أي قبيح قاض باستحقاق الذم عند العقل والفتوى والعمل بالمظنون راجح أي حسن يستحق به المدح عند العقل فلو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح القبيح على الحسن وهو قبيح ضرورة إما كون الفتوى والعمل بالموهوم قبيحا أو لأنه يشبه الكذب بل هو بخلاف الحكم بالراجح والعمل به وأنت خبير بأن ما ذكر من كون الحكم والعمل بمطلق الظنون حسنا عند العقل هو عين المدعى فأخذه دليلا في المقام مصادرة إلا أن يجعل المدعي حسنه في حكم الشرع والدليل على حسنه حكم العقل نظرا إلى ثبوت الملازمة بين حكم العقل والشرع وفيه أن الدعوى المذكورة أيضا مرتبة المدعى في الخفاء ولوضوح أن القائل بالملازمة بين الحكمين كما هو مبنى الاحتجاج بالعقل إذا لم يثبت عنده حسن العمل بالظن شرعا فلا نسلم استقلال العقل بإدراك حسنه فكان اللازم أن يجعل الدليل الدال على ذلك دليلا على المطلوب وليس في التقرير المذكور ما يفيد الاحتجاج عليه إذ ليس فيه دعوى قبح الأول وحسن الثاني نعم علل قبح الأول بأنه يشبه الكذب بل هو هو على فرض تسليمه لا يستلزم حسن الحكم بالمظنون والعمل به لإمكان قبح الأمرين مع أن الوجه المذكور قاض بقبح الحكم بالمظنون أيضا لأنه أيضا يشبه الكذب نظرا إلى توقف الإخبار بالعلم بالمطابقة فغاية الفرق بين الأمرين قوة احتمال عدم الموافقة المطابقة في الأول وضعفه في الثاني وذلك لا يقضي بخروجه عن دائرة الكذب على تقدير عدم المطابقة إلا للتجري على الكذب بالإتيان بما يحتمله لما فيه من انتفاء العلم بالحقيقة فالتقرير المذكور ليس على ما ينبغي وكأنه مبني على وجوب الحكم والعمل بإحدى الجانبين حال انسداد باب العلم وإن لم يؤخذ ذلك في الاحتجاج وقد أشير إلى ذلك في الإيراد الآتي في كلام المستدل فيضم إليه حينئذ قبح الأخذ بالموهوم في العمل والفتوى دون المظنون والوجه فيه ما مر في الدليل المتقدم من كون تحصيل الواقع هو المناط في العمل والفتوى وحيث إن الطريق إليه هو العلم فبعد انسداد ذلك الطريق وبقاء وجوب الحكم والعمل لا بد من الأخذ بما هو الأقرب إليه أعني الطرف الراجح دون المرجوح فلذا يحكم العقل بحسن الأول وقبح الثاني فيكون الدليل على الدعوى المذكورة هي المقدمات الثلاث المتقدمة من غير حاجة إلى ضم الراجح نظرا إلى استقلال العقل بقبح ترك الراجح وأخذ المرجوح ويجري ذلك بالنسبة إلى سائر الظنون وهذا كما ترى تقرير الآخر للاحتجاج المذكور بخلاف المقدمة الرابعة فإن الموصل إلى الحكم بحجية مطلق الظن بناء على التقرير المذكور هو المقدمات المذكور وأما الحكم بقبح ترك الراجح وأخذ المرجوح الحاصل بملاحظة تلك المقدمات فهو مساوق للمدعى أو عينه كما عرفت وأنت بعد ملاحظة ما بيناه تعرف أن المتجه في تقرير الاحتجاج هو ما ذكرنا دون التقرير المذكور فإن الرجحانية والمرجوحية بالمعنى المذكور ذكرناه بعد ضم المقدمات الثلاث هو الموصل لا الرجحانية والمرجوحية بالمعنى الذي ذكره وأيضا إذا ثبت ما ادعاه من حكم العقل بالحسن والقبح في المقام لكان مثبتا للمقصود من غير حاجة إلى ضم قوله فلو لم يجب العمل بالظن إلخ فيكون أخذه بالمقام لغوا وإنما ضمه إليه من جهة أن العلامة رحمه الله وغيره أخذوه في الاحتجاج المذكور فلو تقرر الاستدلال على حسبما قرروه إلا أنهم يريدون بالراجح والمرجوح ما تسرهما به بل أرادوا بهما ما قرروه فلا بد لهم من ضم المقدمة المذكورة بخلاف ما قرره إذ لا يعقل حينئذ وجه ليضم المقدمة المذكورة هذا وقد ذكر الفاضل المتقدم بعد بيان الاحتجاج على الوجه المذكور إيرادا في المقام وهو أنه إنما يتم ما ذكر إذا ثبت وجوب الإفتاء والعمل ولا دليل عليه من العقل ولا النقل إذ العقل إنما يدل على أنه لو وجب الإفتاء أو العمل يجب اختيار الراجح وأما وجوب الإفتاء فلا يحكم به العقل وأما النقل فلأنه لا دليل على وجوب الإفتاء عند فقد ما يوجب القطع بالحكم والإجماع على وجوب الإفتاء ممنوع في المقام لمخالفة الأخباريين فيه حيث يذهبون إلى وجوب التوقف والاحتياط والاحتياط عند فقد ما يوجب القطع وأجاب عنه أولا بمنع وجوب العمل بالمقطوع في الفروع وهو أول الكلام وما دل عليه من ظواهر الآيات ليست إلا ظنونا لا حجة فيه قبل إثبات حجية الظن وثانيا بعد تسليم وجوب القطع فإنما يعتبر ذلك في حال إمكان تحصيله لا بعد انسداد سبيله كما هو الحال عندنا وثالثا أن العمل بالتوقف أو الفتوى بالتوقف أيضا يحتاج إلى دليل يفيد القطع ولو تمسكوا في ذلك بالأخبار الدالة عليه عند فقدان العلم فمع أن تلك الأخبار لا يفيد القطع لكونها من الآحاد معارضة بما دل على أصالة البراءة ولزوم العسر والحرج وعلى فرض ترجيح تلك الأخبار فلا ريب في كونه ترجيحا ظنيا فلا يثمر في المقام ورابعا أنه قد ينسد سبيل الاحتياط فلا يمكن الاحتياط في العمل ولا التوقف في الفتوى كما لو دار المال بين شخصين سيما إذا كانا يتيمين إذ لا يقضي الاحتياط إعطاءه أحدهما دون الآخر لا دليل قطعي أيضا على جواز السكوت وترك التعرض للحال والإفتاء بأحد الوجهين بعد استفراغ الوسع وحصول الظن فلعل الله سبحانه يؤاخذه على عدم الاعتناء وترك التعرض للفتوى